المشاركات

سبحان من لا حد لكماله ولا نهاية لعلمه

سبحان من لا حد لكماله ولا نهاية لعلمه بقلم : عمر الريسوني ففي قوله تعالى في سورة الإخلاص نقرأ "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" فهذه الآية ليست مجرد نفيٍ للولادة بالمعنى الحسي فحسب، بل هو في الوقت نفسه نفيٌ لكل ما يلزم المخلوقات من الإفتقار والتسلسل والتركيب والإحتياج إلى أصل سابق ،فالإنسان يولد، والحيوان يولد، والنجوم تتكون، والبروج والأجرام تنشأ، وكل شيء في عالمنا مرتبط بسبب قبله أو أصل صدر عنه ، والعقل اعتاد في هذا العالم أن يسأل دائماً: من أين جاء هذا؟ وما أصله؟ وما الذي سبقه؟ لكن عندما يصل العقل إلى الحق سبحانه، يقف أمام حقيقة تختلف عن كل ما ألفه في عالم الممكنات ، هنا يأتي البيان الإلهي الحاسم: "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" أي أنه ليس نتيجة لشيء قبله، وليس فرعاً عن أصل، وليس حلقة في سلسلة، وليس جزءاً من نظام أكبر منه، بل هو الأصل الذي تنتهي عنده جميع الأسئلة المتعلقة بالإفتقار والأسباب ، ولهذا فإن هذه الآية تعلم العقل حدوده بقدر ما تعلمه الحقيقة ،فالعقل يستطيع أن يفهم أن الموجودات المفتقرة لا بد أن تنتهي إلى غنِيٍّ مطلق، وأن الممكنات لا بد أن تنتهي إلى واجب ا...

العقل يستطيع أن يفهم أن الموجودات المفتقرة لا بد أن تنتهي إلى غني مطلق

العقل يستطيع أن يفهم أن الموجودات المفتقرة لا بد أن تنتهي إلى غني مطلق ففي قوله تعالى في سورة الإخلاص "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" ليس مجرد نفيٍ للولادة بالمعنى الحسي فحسب، بل هو في الوقت نفسه نفيٌ لكل ما يلزم المخلوقات من الإفتقار والتسلسل والتركيب والإحتياج إلى أصل سابق ،فالإنسان يولد، والحيوان يولد، والنجوم تتكون، والمجرات تنشأ، وكل شيء في عالمنا مرتبط بسبب قبله أو أصل صدر عنه ، والعقل اعتاد في هذا العالم أن يسأل دائماً: من أين جاء هذا؟ وما أصله؟ وما الذي سبقه؟ لكن عندما يصل العقل إلى الحق سبحانه، يقف أمام حقيقة تختلف عن كل ما ألفه في عالم الممكنات ، هنا يأتي البيان الإلهي الحاسم: "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" أي أنه ليس نتيجة لشيء قبله، وليس فرعاً عن أصل، وليس حلقة في سلسلة، وليس جزءاً من نظام أكبر منه، بل هو الأصل الذي تنتهي عنده جميع الأسئلة المتعلقة بالإفتقار والأسباب ، ولهذا فإن هذه الآية تعلم العقل حدوده بقدر ما تعلمه الحقيقة ،فالعقل يستطيع أن يفهم أن الموجودات المفتقرة لا بد أن تنتهي إلى غنِيٍّ مطلق، وأن الممكنات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود، لكنه لا ي...

الحق الذي تنتهي إليه العقول

الحق الذي تنتهي إليه العقول تأملات في الأحدية والغنى المطلق وحدود المعرفة الإنسانية بقلم: عمر الريسوني من أعظم ما يشغل عقل الإنسان منذ فجر التاريخ سؤال الوجود: لماذا يوجد شيء بدلاً من ألا يوجد شيء؟ وما أصل هذه الكون المتناهي في العظمة والدقة؟ وهل وراء هذا النظام المحكم حقيقة أولى تقوم بها الموجودات كلها؟ لقد انشغل العلماء والفلاسفة والمتكلمون بهذه الأسئلة عبر القرون، واختلفت مسالكهم في البحث، غير أن العقل السليم كلما توغل في أعماق الوجود وجد نفسه أمام حقيقة لا يستطيع تجاوزها: أن كل ما يراه مفتقر إلى غيره ،فالإنسان مفتقر، والأرض مفتقرة، والنجوم مفتقرة، والمجرات مفتقرة، بل حتى القوانين التي تحكم الكون لا تقوم بنفسها، وإنما تدل على نظام أوسع منها ، وحين يتأمل العقل في هذا الافتقار الشامل يدرك أن سلسلة المحتاجين لا يمكن أن تستمر إلى غير نهاية، وإلا لما وُجد شيء أصلاً. فلا بد من حقيقة أولى قائمة بذاتها، لا تستمد وجودها من غيرها، ولا تحتاج إلى ما يقيمها أو يمنحها البقاء ،وهنا يشرق نور الآية العظيمة"ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ"فالحق هنا ليس مجرد الصدق في مقابل الكذب، ...

حتى يتبين لهم أنه الحق : الأحدية الإلهية وبرهان الحقيقة الأولى

تقديم يأتي هذا المقال ثمرة سنوات طويلة من البحث والتأمل في قضايا الوجود والتوحيد والمعرفة، ومحاولةً للجمع بين نور العقل وهداية الوحي في بيان الحقيقة الكبرى التي دلّ عليها القرآن الكريم بقوله تعالى " حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " ولا يقف المقال عند حدود إثبات وجود الخالق سبحانه، بل يتجاوز ذلك إلى بيان معنى الأحدية الإلهية، وغنى الذات المقدسة عن كل تركيب وافتقار، انطلاقاً من التأمل في الآيات الكونية والإنسانية، وفي الأصول العقلية التي تشهد بأن للوجود حقيقة أولى قائمة بذاتها، هي الحق الذي قامت به جميع الحقائق ، وصاحب هذا المقال، الأستاذ عمر الريسوني، باحث وكاتب مغربي، ينتمي إلى أسرة صوفية سنية عريقة، واهتم منذ عقود بدراسة قضايا التوحيد والفكر الإسلامي والعرفان السني، جامعاً بين التأمل العقلي والذوق الإيماني، وله مؤلفات ومقالات عديدة في الفكر والتزكية والمعرفة بالله تعالى ، والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل طالب للحق، وأن يجعله لبنةً متواضعة في خدمة التوحيد والدعوة إلى الله بالحكمة والبرهان. حتى يتبين لهم أنه الحق : الأحدية الإله...

تأملات في المعرفة والإيمان وحقيقة الوجود

"حتى يتبين لهم أنه الحق" تأملات في المعرفة والإيمان وحقيقة الوجود بقلم: عمر الريسوني من أعظم الآيات التي تستوقف المتأمل في كتاب الله قوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " إن هذه الآية لا تدعو الإنسان إلى تعطيل عقله، بل إلى استعماله في أوسع آفاقه ، فهي تفتح أمامه أبواب الكون وآيات النفس، وتدعوه إلى النظر والتفكر والتأمل، حتى يصل إلى الحقيقة الكبرى التي تنتظم بها جميع الحقائق ، لقد اعتاد العقل الإنساني أن يبحث عن الأسباب والعلل، وأن يسأل عن منشأ الأشياء وأصولها ، وكلما تقدم في البحث اكتشف أن الموجودات التي حوله مفتقرة في وجودها إلى غيرها، وأن الممكن لا يفسر نفسه بنفسه، وأن الحادث لا يمنح نفسه الوجود ، ومن هنا تبدأ رحلة العقل نحو الأصل الأول ، فإذا تأمل الإنسان في سلسلة الافتقار أدرك أنها لا يمكن أن تمتد إلى غير نهاية، وإلا لما وجد شيء أصلاً. ولابد إذن من حقيقة أولى قائمة بذاتها، غير مفتقرة إلى غيرها، لا تحتاج إلى علة توجدها، لأنها لو احتاجت إلى علة لكانت مفتقرة مثل سائر الممكنات ، وهنا ي...

From Being to Values: How Does "Simple Divine Unity" Explain the Reality of the Universe and Morality?

From Being to Values: How Does "Simple Divine Unity" Explain the Reality of the Universe and Morality? By Omar Al-Raysouni In a world overwhelmed by material complexity and existential questions, human beings find themselves driven by an innate desire to seek a stable center upon which they can rely—a center capable of deciphering the mystery of existence and providing objective foundations for moral values such as truth, justice, and wisdom, beyond the relativity of human desires and cultural fluctuations. The search for an answer to this cosmic dilemma has never belonged to a single intellectual tradition. Rather, it has been a meeting point where the arguments of philosophers, the unveilings of mystics, and the reflections of sages from both East and West converge. Throughout history, great minds have sought the ultimate reality from which existence, meaning, and value emerge, often arriving at the conclusion that behind the universe stands one absolute reality—the so...

من الوجود إلى القيم : كيف تفسر الأحدية البسيطة حقيقة الوجود والاخلاق

من الوجود إلى القيم: كيف تُفسّر "الأحدية البسيطة" حقيقة الكون والأخلاق؟ بقلم: عمر الريسوني في عالمٍ صاخب يضج بالتعقيدات المادية والتساؤلات الوجودية، يجد الإنسان نفسه مدفوعاً بفضولٍ فطري للبحث عن مركزٍ ثابت يستند إليه؛ مركز يفسر له سرّ الوجود، ويمنح قِيَمه الأخلاقية كالحق والعدل والحكمة أساساً موضوعياً يتجاوز نسبية الأهواء البشرية وتقلبات الثقافات والأزمنة. إن الإجابة عن هذه المعضلة الكونية لم تكن يوماً حكراً على مدرسة فكرية واحدة، بل كانت ملتقى طرقٍ التقت عنده براهين الفلاسفة، وكشوفات العرفاء، وتأملات الحكماء شرقاً وغرباً. وقد سعت العقول الكبرى عبر التاريخ إلى اكتشاف الحقيقة الأولى التي ينبثق منها الوجود والمعنى والقيمة، حتى انتهى كثير منهم إلى الإقرار بأن وراء هذا الكون حقيقةً واحدةً مطلقة، هي أصل كل شيء ومرجعه. أولاً: أحدية الذات والبساطة التي تلغي التعقيد حينما نبحر في أعماق الميتافيزيقا، نجد أن كبار الحكماء والمتأملين قد اتفقوا على وصف الحقيقة الإلهية بـ"البساطة المطلقة" أو "أحدية الذات". والبساطة هنا لا تعني السهولة أو السذاجة، بل هي مفهوم فلسف...

من الوجود إلى القيم : كيف تفسر الأحدية البسيطة حقيقة الكون والأخلاق

من الوجود إلى القيم: كيف تُفسّر "الأحدية البسيطة" حقيقة الكون والأخلاق؟ بقلم: عمر الريسوني في عالم صاخب يضج بالتعقيدات المادية والتساؤلات الوجودية، يجد الإنسان نفسه مدفوعاً بفضول فِطري للبحث عن مركز ثابت يستند إليه؛ مركز يفسر له طلاسم هذا الوجود، ويمنح قِيَمه الأخلاقية كالعدل والحق والحكمة معياراً موضوعياً يتجاوز نسبية الأهواء البشرية. إن الإجابة عن هذه المعضلة الكونية لم تكن يوماً وليدة فكر أحادي، بل شكلت ملتقى طرق تلاقت فيه براهين الفلاسفة، وكشوفات العرفاء، وتأملات حكماء الشرق والغرب. 1. "أحدية الذات" والبساطة التي تلغي التعقيد حينما نبحر في عمق الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، نجد أن كبار الحكماء قد اتفقوا على وصف الحقيقة الإلهية بـ "البساطة المطلقة" أو "أحدية الذات". والبساطة هنا ليست نقيض الصعوبة، بل هي المفهوم الفلسفي القائم على "نفي التركيب"؛ فالذات الأحدية حقيقة واحدة صِرفة، لا أجزاء لها، ولا تقع تحت حدود القوانين المنطقية الجافة (كالـجنس والـفصل). هذه البساطة الذاتية هي السِّر في أن الله سبحانه يستعصي على التعريفات البشري...

في رحاب الحق المبين : حوار في التوحيد والعرفان بين التأمل والتحقيق

في رحاب الحق المبين حوار في التوحيد والعرفان بين التأمل والتحقيق بقلم: عمر الريسوني من أجمل ما يرزقه الله للعبد أن يجد من يذاكره في معاني التوحيد، لا طلبًا للغلبة، ولا رغبةً في الانتصار للنفس، بل ابتغاءً للحق الذي قال الله فيه: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ وقد دار بيني وبين ابن عمي الشريف الفاضل زكرياء الريسوني الحسني حوار طويل حول مسائل التوحيد والعرفان ومعرفة الله تعالى، وكان حوارًا يفيض أدبًا ومحبةً وحرصًا على سلامة الاعتقاد. وكان منطلق هذا الحوار التأمل في أسماء الله الحسنى، ولا سيما اسمه العظيم الحق. فكلما ازداد الإنسان نظرًا في هذا الاسم الجليل شعر أن القرآن لا يقدمه مجرد وصف من الأوصاف، بل حقيقة جامعة تتفرع عنها معانٍ عظيمة من الوجود والعلم والحياة والقيومية والحكمة والعدل. وقد وقفنا طويلًا عند قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ وقوله: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ فبدا لنا أن هذه الآيات لا تخبر فقط عن وجود الله، بل تدعو إلى شهود معنى أعظم، وهو أن الله س...

There Is No God But Allah: The Serenity of the Gnostics and the Ultimate Destination of the Seekers

There Is No God But Allah: The Serenity of the Gnostics and the Ultimate Destination of the Seekers By Omar Raisouni All praise belongs to Allah, the Manifest Truth, the Ever-Living, the Self-Subsisting, the One, the Most Holy, the True King, the Most High, the All-Knowing, who bore witness to His own Oneness, and whose testimony was echoed by His angels and by those endowed with knowledge, upholding justice. May peace and blessings be upon our master Muhammad, who said: "I cannot enumerate Your praises; You are as You have praised Yourself." And upon his family and companions. Among all truths known to humanity, none is greater, nobler, or more transformative than the declaration: There is no god but Allah. It is not surprising that it is reported that if this testimony were placed on one side of a scale and the heavens and the earth on the other, the testimony of Divine Unity would outweigh them all. For it is not merely a phrase uttered by the tongue; it is the pro...

لا إله إلا الله: سكينة العارفين ومنتهى السالكين

لا إله إلا الله: سكينة العارفين ومنتهى السالكين بقلم: عمر الريسوني الحمد لله الحق المبين، الحي القيوم، الأحد القدوس، الملك الحق، العلي العليم، الذي شهد لنفسه بالوحدانية، وشهدت له ملائكته وأولو العلم، قائمًا بالقسط، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي قال: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فإن أعظم كلمة عرفتها البشرية، وأشرف حقيقة أشرقت على القلوب، وأقوى يقين استقرت عليه النفوس، هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. وليس عجيبًا أن يرد في الأثر أن هذه الكلمة لو وُضعت في كفة، ووُضعت السماوات والأرض وما فيهن في كفة، لرجحت كلمة التوحيد، لأنها ليست لفظًا مجردًا، بل هي إعلان عن أعظم حقيقة في الوجود. إنها شهادة بأن الله هو الحق، وأن ما سواه مفتقر إليه. وقد قادتنا رحلة التفكر في القرآن الكريم إلى آيات عظيمة تجمع أصول المعرفة بالله، منها قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ فهذه أعظم شهادة في الوجود. شهد الله بها لنفسه، ثم شهدت بها الملائكة، ثم شهد بها أولو العلم....

Réflexions sur la Science divine,les mystères de l’Invisible et de la Création

De l’errance de la philosophie à la sérénité de la foi Réflexions sur la Science divine, les mystères de l’Invisible et de la Création Par : Omar Raissouni Introduction Depuis l’aube de l’humanité, l’homme se tient devant les grandes questions de l’existence : d’où vient cet univers ? Quelle est la réalité de l’être ? Quel est le secret de cet Invisible qui enveloppe l’origine et la destinée de toute chose ? Ces interrogations ont occupé philosophes, sages et mystiques. Certaines intelligences s’y sont égarées, tandis que certains cœurs y ont trouvé leur guidance. Cet article est une tentative de méditation sur la nature de la Science divine, sur la signification du fait que Dieu soit « La Vérité Évidente » (Al-Haqq Al-Mubîn), sur la sagesse de la dissimulation du monde invisible aux créatures, ainsi que sur les allusions des maîtres de la spiritualité à la « Non-manifestation de l’Essence » et au mystère de l’Amour divin. Il s’achève par une réflexion sur la nostalgie innée...

من حيرة الفلسفة إلى طمأنينة وسكينة الإيمان

من حيرة الفلسفة إلى طمأنينة الإيمان تأملات في العلم الإلهي وأسرار الغيب والخلق بقلم: عمر الريسوني مقدمة يقف الإنسان منذ فجر التاريخ أمام أسئلة الوجود الكبرى: من أين جاء هذا الكون؟ وما حقيقة الوجود؟ وما سر ذلك الغيب الذي يكتنف بدايات الأشياء ونهاياتها؟ وقد شغلت هذه الأسئلة الفلاسفة والحكماء والعارفين، فتاهت فيها عقول، واهتدت بها قلوب. وهذا المقال محاولة للتأمل في طبيعة العلم الإلهي، ومعنى كون الله تعالى هو الحق المبين، وكيف يتجلى لطفه ورحمته في حجب الغيب عن العقول، كما يبحر في إشارات العارفين إلى "غيب الهوية" وسر المحبة الإلهية، لينتهي إلى بيان الحنين الفطري الذي يسكن الأرواح إلى خالقها ومصدر وجودها. الحق المبين والعلم الذي لا يُحاط به كلما تأملت قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ شعرت أن هذه الآية تختصر حقيقة العلاقة بين المحدود والمطلق، وبين المخلوق والخالق. فالعلم الإلهي ليس علماً عظيماً فحسب، بل هو فوق كل إحاطة وتصور، لأن الإحاطة لا تكون إلا بما له حد ونهاية، والله سبحانه منزه عن الحدود والغايات. ولهذا جاء وصفه بالعلي العليم؛ فكل علم في الوجود إن...

الحق المطلق وحدود العقل

الحق المطلق وحدود العقل: تأملات في واجب الوجود والإيمان بالغيب بقلم: عمر الريسوني منذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء، وأخذ يتأمل في نفسه وفي هذا الكون العظيم، لازمه سؤال لا يكاد يفارقه: لماذا يوجد شيء بدل أن لا يوجد شيء؟ وما أصل هذا الوجود الذي نراه متجددًا متغيرًا في كل لحظة؟ إن المتأمل في العالم يكتشف سريعًا أن كل ما حوله محكوم بقانون الافتقار. فالكائنات تولد بعد أن لم تكن، وتنمو بعد ضعف، وتفنى بعد بقاء، وتحتاج في وجودها إلى أسباب وشروط لا تحصى. فالإنسان يحتاج إلى الهواء والماء والغذاء، والشجرة تحتاج إلى الأرض والماء والشمس، والكواكب تحتاج إلى قوانين تحفظ انتظامها، بل إن الكون كله قائم على شبكة دقيقة من الترابط والاعتماد المتبادل. ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي الكبير: إذا كانت الموجودات كلها محتاجة، فإلى ماذا تنتهي سلسلة الاحتياج؟ وهل يمكن أن يكون كل شيء محتاجًا إلى غيره دون أن يكون هناك أصل قائم بذاته؟ لقد أدرك الحكماء والفلاسفة أن الممكن لا يفسر نفسه بنفسه، وأن الحادث لا يكون علة لوجوده. ولهذا قالوا بضرورة وجود حقيقة لا تحتاج إلى علة توجدها، ولا إلى سبب يحفظها، ولا إلى قوة تمنح...

سيجعل لهم الرحمن ودا

سيجعل لهم الرحمن ودا مقال بقلم عمر الريسوني إذا أحب الله عبدا كتب إسمه بنور مسبول تحت العرش وقال للملائكة: هذا حبيبي فاحفظوه وكونوا له أعوانا فهذا قوله تعالى ( سيجعل لهم الرحمن ودا ) ، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا فأحببه ، فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ، ثم يوضع له القبول في الأرض ، ففي هذا الحديث أصل عظيم في معنى الود والمحبة الإلهية ، قال الحسن البصري إن المؤمن إذا أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين عليه ،فعند أهل العرفان معنى " فاحفظوه وكونوا له أعوانا " إشارة إلى اللطف الإلهي الخفي ، فترى العبد تفتح له الأبواب ويصرف عنه البلاء ما لا يعلم وتأتيه المعونة من حيث لا يحتسب لأن عناية الله سبقته ، وكان ابن عطاء يقول " متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس ، فأقول بصدق هل رأيتم ودا من الودود مثل هذا الود ؟ ومن ألطف ما قاله أهل المحبة: “علامة محبة الله لعبده أن يجعله يأنس بذكره، ويستوحش من الغفلة عنه ”فالودّ الإلهي ليس مجرد عاطفة، بل مقام نوراني تظهر آثاره في القلب وال...

حوار في الحق المبين بين الفكر والعرفان

من خلال حوارنا العرفاني بيني وبين ابن عمنا العزيز زكرياء هيأت هذا المقال تحت عنوان : حوار في الحق المبين: بين الفكر والعرفان ففي مذاكرة روحية هامسة والتي تعد من أجمل ما يهبُه الله لأهل التفكر والمعرفة أن يجد الإنسان روحًا تُصغي إلى المعنى قبل اللفظ، وإلى نور الفكرة قبل زخرف العبارة فالكلمات مهما بلغت من البلاغة تبقى أجسادًا جامدة حتى تسري فيها حرارة اليقين وصدق التوجه إلى الحق سبحانه ، وقد كان الحوار الذي دار بيني وبين ابن عمي زكرياء من هذا القبيل حيث لم يكن مجرد تبادل آراء، بل كان مذاكرةً في معنى “الحق المبين”، ومحاولةً للوقوف على بعض إشراقات هذا الإسم العظيم الذي تطمئن به القلوب وتسكن إليه الأرواح لقد بدأ التأمل من قوله تعالى: " وأنه الحق من ربكم " وهي آية قصيرة في ألفاظها، لكنها بحرٌ لا ساحل له في دلالاتها ، فالله سبحانه لم يقدّم نفسه للإنسان باعتباره “فكرة” ذهنية مجردة، بل باعتباره “الحق”، أي الحقيقة الثابتة التي لا يعتريها زوال، والوجود الذي لا يتطرق إليه عدم، والكمال الذي لا يلحقه نقص ، ومن هنا كانت رحلة العقل الصادق لا تنتهي عند حدود الجدل الفلسفي، بل تتجاوز ذلك إل...

أفضل العلم لا إله إلا الله

مناجاة في شهود الحق مايو 25, 2026 بسم الله الرحمن الرحيم مناجاة في شهود الأحد الحق القيوم القدوس من كتابي لطائف الأسرار في منازل التوحيد والسكينة تحقيق : عمر الريسوني يا الله… يا من أنت الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، يا من لا يحدك حدّ، ولا يحيط بك وهم، ولا تدركك الأبصار، أنت الحق الذي لا يزول، والقيوم الذي به قام كل موجود، والأحد الذي تنزه عن الشبيه والنظير، والقدوس الذي تقدس عن كل نقص وتوهم، اللهم إني أقف بين يديك وقوف الفقير إلى الغني، والمحتاج إلى القيوم، والحائر إلى النور، أشهد أن كل ما سواك قائم بك، مفتقر إليك، زائل دونك، وأنك أنت وحدك الباقي، وما سواك إلى فناء وإن طال بقاؤه في الظاهر يا حي يا قيوم، أحيِ قلبي بمعرفتك بعد موات الغفلة، وقوم روحي على شهودك بعد تشتت الالتفات، فإني لا أستمد حياة قلبي إلا منك، ولا ثباته إلا بك ، يا أحد يا صمد، اجمع شتات قلبي عليك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإن النفس تتفرق في كل واد، ولا تستقر إلا عند بابك ، يا حق يا مبين، أرني الأشياء كما هي في ميزانك، ولا تجعلني أفتتن بظاهرٍ عن باطن، ولا بممكنٍ عن واجب، ولا بزائلٍ عن باقٍ، حتى لا أرى ...

مناجاة في شهود الحق

بسم الله الرحمن الرحيم مناجاة في شهود الأحد الحق القيوم القدوس من لطائف الأسرار في منازل التوحيد والسكينة تحقيق : عمر الريسوني يا الله… يا من أنت الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، يا من لا يحدك حدّ، ولا يحيط بك وهم، ولا تدركك الأبصار، أنت الحق الذي لا يزول، والقيوم الذي به قام كل موجود، والأحد الذي تنزه عن الشبيه والنظير، والقدوس الذي تقدس عن كل نقص وتوهم. اللهم إني أقف بين يديك وقوف الفقير إلى الغني، والمحتاج إلى القيوم، والحائر إلى النور، أشهد أن كل ما سواك قائم بك، مفتقر إليك، زائل دونك، وأنك أنت وحدك الباقي، وما سواك إلى فناء وإن طال بقاؤه في الظاهر. يا حي يا قيوم، أحيِ قلبي بمعرفتك بعد موات الغفلة، وقوم روحي على شهودك بعد تشتت الالتفات، فإني لا أستمد حياة قلبي إلا منك، ولا ثباته إلا بك. يا أحد يا صمد، اجمع شتات قلبي عليك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإن النفس تتفرق في كل واد، ولا تستقر إلا عند بابك. يا حق يا مبين، أرني الأشياء كما هي في ميزانك، ولا تجعلني أفتتن بظاهرٍ عن باطن، ولا بممكنٍ عن واجب، ولا بزائلٍ عن باقٍ، حتى لا أرى في الوجود إلا آثارك، ولا في الآثار إلا دلالتك...

The truth that never perishes

The Truth That Never Perishes: Mystical and Philosophical Reflections on the Meaning of: “And that He is the Truth from your Lord” By: Omar Raissouni One of the greatest questions that has accompanied humanity since the dawn of awareness is this: Is this existence truth or absurdity? And is what we witness of life, consciousness, order, and beauty the manifestation of a self-subsisting Reality, or merely a blind coincidence devoid of meaning and purpose? When a person reflects upon these questions sincerely, they discover that the Qur’an does not present God merely as an abstract philosophical “idea,” but rather presents Him as the Truth. Allah the Exalted says: “And that He is the Truth from your Lord.” This verse alone opens immense horizons of contemplation and knowledge. Truth, in its deepest meaning, is not merely verbal correctness. Rather, it is: that which is ثابت and never perishes, the Reality that never collapses, the Self-Subsisting Existence, and the Wisdom in which t...

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك

الحق الذي لا يزول : تأملات عرفانية وفلسفية في معنى: “وأنه الحق من ربكم” بقلم: عمر الريسوني من أعظم الأسئلة التي صاحبت الإنسان منذ فجر الوعي: هل هذا الوجود حق أم عبث؟ وهل ما نراه من حياةٍ ووعيٍ ونظامٍ وجمالٍ صادر عن حقيقة قائمة بذاتها، أم أنه مجرد مصادفة عمياء لا غاية وراءها؟ وحين يتأمل الإنسان هذه الأسئلة بصدق، يجد أن القرآن لا يقدّم الله تعالى بوصفه “فكرة” فلسفية مجردة، بل يقدّمه باعتباره “الحق”، قال تعالى: “وأنه الحق من ربكم”، وهذه الآية وحدها تفتح أبوابًا عظيمة من التفكر والمعرفة، فالحق في معناه العميق ليس مجرد الصدق اللفظي، بل: الثابت الذي لا يزول، والحقيقة التي لا تتهاوى، والوجود القائم بذاته، والحكمة التي لا عبث فيها، ولهذا كان نقيض الحق هو: الباطل، والباطل مهما بدا قويًا يظل: هشًّا، ومؤقتًا، وخاليًا من الثبات الحقيقي، ومن هنا تبدأ رحلة العقل نحو اليقين. فالإنسان حين ينظر في هذا الكون يرى: نظامًا دقيقًا، وترابطًا عجيبًا، وحياةً تنبض بالأسرار، وعقلًا يتأمل، وقلبًا يبحث عن المعنى والكمال، فهل يمكن أن يكون أصل هذا كله باطلًا أو عبثًا؟ ولهذا قال المتفكرون: إن الباطل لا يُنتج هذا ال...
الحق الذي لا يزول تأملات عرفانية وفلسفية في معنى: “وأنه الحق من ربكم” بقلم: عمر الريسوني من أعظم الأسئلة التي صاحبت الإنسان منذ فجر الوعي: هل هذا الوجود حق أم عبث؟ وهل ما نراه من حياةٍ ووعيٍ ونظامٍ وجمالٍ صادر عن حقيقة قائمة بذاتها، أم أنه مجرد مصادفة عمياء لا غاية وراءها؟ وحين يتأمل الإنسان هذه الأسئلة بصدق، يجد أن القرآن لا يقدّم الله تعالى بوصفه “فكرة” فلسفية مجردة، بل يقدّمه باعتباره “الحق”. قال تعالى: “وأنه الحق من ربكم.” وهذه الآية وحدها تفتح أبوابًا عظيمة من التفكر والمعرفة. فالحق في معناه العميق ليس مجرد الصدق اللفظي، بل: الثابت الذي لا يزول، والحقيقة التي لا تتهاوى، والوجود القائم بذاته، والحكمة التي لا عبث فيها. ولهذا كان نقيض الحق هو: الباطل. والباطل مهما بدا قويًا يظل: هشًّا، ومؤقتًا، وخاليًا من الثبات الحقيقي. ومن هنا تبدأ رحلة العقل نحو اليقين. فالإنسان حين ينظر في هذا الكون يرى: نظامًا دقيقًا، وترابطًا عجيبًا، وحياةً تنبض بالأسرار، وعقلًا يتأمل، وقلبًا يبحث عن المعنى والكمال. فهل يمكن أن يكون أصل هذا كله باطلًا أو عبثًا؟ ولهذا قال المتفكرون: إن الباطل لا يُنتج هذا الات...

شمس الحقيقة الإلهية

شمس الحقيقة وحدود العقل البشري تأملات عرفانية في معرفة الله بقلم: عمر الريسوني حين يبدأ الإنسان رحلته في التفكر، يظن أول الأمر أن العقل قادر على اقتحام كل باب، وأن الفكر إذا اشتدّ وتعمّق بلغ حقيقة الأشياء كلها. لكن ما إن يقترب من سؤال الوجود الأكبر، ومن سرّ الحقيقة الإلهية، حتى يشعر أن العقل نفسه يقف مبهوتًا أمام بحرٍ لا ساحل له، وهنا تبدأ المعرفة الحقيقية. فمعرفة الله ليست كمعرفة الأشياء؛ لأن الأشياء محدودة، والعقل خُلق ليدرك الحدود والصور والمقادير، أما الله سبحانه فليس شيئًا داخل العالم حتى تُحيط به المدارك، ولا حقيقة جزئية حتى تحتويها المفاهيم. ولهذا كان العارفون يقولون: “لا يعرف الله إلا الله”، لا بمعنى استحالة الهداية إليه، بل بمعنى أن كمال الحقيقة الإلهية فوق الإحاطة المخلوقة. فالإنسان يعرف آثار الله، وآياته، وتجليات حكمته، وأنوار رحمته، لكنه لا يحيط بذاته سبحانه. ومن هنا كان العجز عن الإحاطة ليس نقصًا في المعرفة، بل غايتها العليا. وقد صدق بعض العارفين حين قال: “العجز عن الإدراك إدراك”، أي إن العقل إذا بلغ أقصى مداه أدرك أن الحقيقة الإلهية لا تُحدّ ولا تُستنفد. ويمكن تشبيه الإنس...

تأملات عرفانية في معرفة الله وحدود العقل البشري

تأملات عرفانية في معرفة الله وحدود العقل البشري بقلم : عمر الريسوني حين يبدأ الإنسان رحلته في التفكر، يظن أول الأمر أن العقل قادر على اقتحام كل باب، وأن الفكر إذا اشتد وتعمق بلغ حقيقة الأشياء كلها. لكن ما إن يقترب من سؤال الوجود الأكبر، ومن سرّ الحقيقة الإلهية، حتى يشعر أن العقل نفسه يقف مبهوتًا أمام بحر لا ساحل له. وهنا تبدأ المعرفة الحقيقية. فمعرفة الله ليست كمعرفة الأشياء؛ لأن الأشياء محدودة، والعقل خُلق ليدرك الحدود والصور والمقادير، أما الله سبحانه فليس شيئًا داخل العالم حتى تُحيط به المدارك، ولا حقيقة جزئية حتى تحتويها المفاهيم. ولهذا كان العارفون يقولون: “لا يعرف الله إلا الله.” لا بمعنى استحالة الهداية إليه، بل بمعنى أن كمال الحقيقة الإلهية فوق الإحاطة المخلوقة. فالإنسان يعرف: آثار الله، وآياته، وتجليات حكمته، وأنوار رحمته، لكنه لا يحيط بذاته سبحانه. ومن هنا كان العجز عن الإحاطة ليس نقصًا في المعرفة، بل غايتها العليا. وقد صدق بعض العارفين حين قال: “العجز عن الإدراك إدراك.” أي أن العقل إذا بلغ أقصى مداه، أدرك أن الحقيقة الإلهية لا تُحدّ ولا تُستنفد. كهف الصور ...